وصمتت إذاعة المكلا!
المكلا اليوم / كتب: صالح حسين الفردي2010/3/3
ليس غريباً أن تصمت إذاعة المكلا اليوم أو تكاد، وهي محملة بتاريخ عريق ممتد منذ يوم الثامن والعشرين من سبتمبر 1967م، فقد تكالبت عليها جملة من الظروف في السنوات القريبة الماضية دفعت بكنوزها وتراثها التسجيلي السمعي إلى الاندثار والتشويه والقص والتلصيق
ومازالت تعاني من ويلات العبث واللامبالاة التي تواجه بها هذه الإذاعة الرائدة التي مازالت تقاوم عاديات الزمن الشائه وجحود الأبناء، والغريب أن الجميع يمارس الصمت المدان لمآلاتها اليومية، ولم تعد هذا الكيان بقادر على السير في تأدية رسالته الإعلامية المهمة التي سار عليها في سنوات المجد الإذاعي المكلاوي، فهو ينوء بوطأة التحايل الذي بليت به في إداراتها السابقة التي أوصلت إذاعة المكلا إلى وضعها البائس اليوم - إلا من جهود مجتمعية لبعض فاعلي الخير من تجار المدينة، حاولت أن تمسك بما تبقى من تاريخ ثري تختزنه مكتبتها السمعية، فبدأت ميكنة التسجيل الكمبيوتري لأشرطة (الريل) التي تربو على خمسة آلاف شريط نادر ومتقن، وهي تسجيلات خاصة بهذه الإذاعة الرائعة، يوم كانت - التسجيلات - هاجس ملح على قيادات العمل الإذاعي الطوعي في زمن مضى، لا تحصل بعده إلا على ابتسامات من القلب ورضا من الذات ويستمر العطاء والإبداع والألق، واليوم وقد سادت لغة المال وتكالب الجميع على قصعة (الغلّة) لم تعد الإمكانيات والموازنات حفيةً بمواصلة مشوار العطاء الفني والدرامي وتأصيل الخصوصية المحلية - فناً وتراثاً وثقافة وعادات وتقاليد وملامح اجتماعية حضرمية خالدة - واكتفت ببرامج (التيك شو) السياسي الممل واللافح، وهي برامج تضيف إلى الحالة المأزومة شحناً إضافياً لو عقل العارفون! وليتهم يعلمون!
صمتت إذاعة المكلا أو تكاد، فلم يعد بمقدورنا في ديس المكلا متابعتها أو الاستماع إليها، ولم تعد تتجاوز مساحة بثها الكيلو متر المربع فقط، وعجبي! بعد ثلاثة وأربعين عاماً تحال إلى التقاعد المقطر، وإذا بحثت عن إجابة عن ما وصلت إليه من صمت تزداد رقعته يوماً بعد يوم وساعة إثر ساعة، يرين الصمت على كل من يقبع (بريم الإذاعة) قابضاً بالمسئولية ولن تجد إلا رداً واحداً: جهاز الإرسال الذي بمنطقة فوة، أصاب قطعة التكثيف فيه عطل.
طيب وبعدين!
يأتيك الرد: العراض صنعاء!
وخلاص!
يعود الصمت إلى شفاه الجميع!
إننا في هذه الوقفة نحاول أن نفك شفرات الصمت الذي يسود أروقة المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون بصنعاء لما آلت إليه أجهزة الإذاعة بالمكلا، بدءاً بالاستوديوهات والتقنيات التي تفتقدها ، إذ هي تواصل عملها بما لديها من سنوات طويلة خلت ولم تمسها يد التحديث الذي أسكرتنا المؤسسة وقيادتها بها بين حين وآخر عن توجهاتها وتوجيهاتها بتحديث إذاعة المكلا ورفدها بتقنية عالية مواكبة للغة العصر والفضاء الإذاعي الكوني، ولكنها وعود عرقوب - كما يقولها أهل حضرموت - وهو ما ظهر جلياً بتراجع مساحة البث حتى انحصرت في مبنى الإذاعة وما جاورها فقط.
ولأن الجميع - كما يبدو - لا يعنيه من رسالة الإذاعة إلا التلميع اليومي فإن ضمنه صمت وانزوى واكتفى، فليس غريباً إذن صمت السلطة المحلية بالمحافظة عن هذا الخلل الذي يتكرر بين وقت وآخر ويخرج الإذاعة عن الجاهزية كاملة، وعدم حرصها – أي السلطة المحلية وقيادة المؤسسة العامة - على تحديث وتطوير العمل الإذاعي ومواجهة مشكلاته بجدية وصدق، حتى تبقى تتردد عبارة (هنا المكلا) بما تحمله من دلالات عميقة لا يفقهها إلا من يدرك كنه المكلا وفضاءها في المعمورة.
قيل - والعهدة على الراوي - أن المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون قد استوردت جهاز إرسال جديد للإذاعة، وظل فترة طويلة في ميناء الحديدة، (فزمان يا ميناء المكلا)، لم يستطع الزملاء في إدارة الهندسة استكمال إجراءاته لسبب بسيط جداً، غير مطابق للمواصفات،( فسّلم لي على المواصفات)، وعاد الجميع بحفظ الله ورعايته، وطار الجهاز!.
نكتب هذه السانحة ونحن على يقين أن الصمت هو ديدن الجميع ولكننا نأمل أن يحرّك هذا الصمت الذي تعيشه إذاعة المكلا دهاليز السكون ويضج مضجع السلطة المحلية وقيادتي الإذاعة والهندسة الإذاعية لحل المشكلات التقنية ولملمتها بما يشي بتوجه جاد لاستمرار إذاعة المكلا في بثها اليومي دون انقطاع وصولاً إلى زيادة ساعات البث اليومي، لكي لا يبقى الصمت سيد الموقف ويصدح بقوة وعمق صوت المذيع المجيد: هنا المكلا، وكفى!.
|