عاهد.. الإنسان والمعلم القدوة
المكلا اليوم / كتب: وليد التميمي2010/2/8
ارتطمت نيتي في المشاركة في تشييع جثمان الفقيد الراحل عاهد إسماعيل حميدان إلى مثواه الأخير في مقبرة يعقوب بالمكلا، بجدار ظرف عائلي طارئ، بعثر كياني وشل كل تحركاتي، وعطل برنامجي اليومي.
وطوال ليلة أمس الأول ظلت نفسي تواقة لتقليب صفحات من ذكرياتي الخاصة مع الرجل الفاضل الذي خدم قطاع التربية والتعليم ثلاثة عقود ونيف من الزمن.
ففي العام 1994م انتقلت لثانوية أبي بكر بن شهاب بالمكلا، و التحقت بالصف الأول ثانوي، وكان لمعلم مادة الفيزياء آنذاك عاهد حميدان كل الفضل في تفسيخ العقدة التي شابت علاقتنا مع نظريات علم الفيزياء وقواعده وقوانينه المعقدة.
(أنا على استعداد لمنح كل طالب علامة النجاح في مادتي، لكن ما يهمني هو أن تستوعبوا الدروس جيداً وتبادروا بالسؤال عندما تواجهكم مسائل غامضة).
بهذه الكلمات استهل الأستاذ عاهد أولى حصصه التدريسية، ليبث الطمأنينة في صدورنا ويزيح جبال الخوف عن كاهلنا من مادة لطالما ناصبنها العداء والمقت.
لم يفرض الأستاذ عاهد هيبته وأسلوبه على طلابه بالعصا الغليظة أو باللسان السليط أو التلويح بالتهديد والوعيد بالترسيب أو الطرد من الفصل أو الخصم من سجل العلامات الشهرية، وإنما بمخاطبتهم بلغة العقل ومحاكاتهم بالمنطق وفهمه لنفسيات كل طالب على حده وإمكانياته وقدراته الذهنية والعقلية، ووعيه لمشاكله ومصدر معاناته الذاتية.
كان يجيد فن انتشالنا من معمعة السأم وبؤرة الملل من طول اليوم الدراسي وازدحام حصصه، يمنحنا القدرة على التقاط الأنفاس دون إهدار أو تضييع للوقت، ولا نبالغ على الإطلاق أننا كنا ننتظر موعد حصصه بفارع الصبر، ونراقب مؤشر دقائقها التصاعدي ونحزن على دوران عقاربها سريعاً، لأن أداءه وإيماءاته كانت تجدد في دواخلنا حمم النشاط وتفتح مداركنا على مصراعيها لتلقي المزيد من الدروس والمعلومات التي ساهمت في اجتيازنا لاختبارات الفيزياء بسهولة ويسر.
وبنهاية العام الدراسي في الثانوية، قررت الانضمام لركب طلاب القسم الأدبي، وبقيت كسائر أقراني أكن كل الاحترام والتبجيل للأستاذ عاهد، وأحرص كلما رأيته عن بعد أن أدنو منه وأصافحه بحرارة وأطمئن عن قرب على صحته وأخباره.
كان كما عهدناه بشوش الوجه، الابتسامة دائما تزين محياه، هادئ الطباع، باله طويل وصدره رحب، لم تغير قسوة الحياة ومرارة الأيام التي أرهقته، وأصابت جسده بالهزال والضعف، من قناعاته، أو تؤثر على خصاله وسجاياه، ظل عاهد الأستاذ والمربي والتربوي القدير، الذي لمحنا طلته أكثر من مرة خلال زياراته المتكررة لمكتب وزارة التربية والتعليم بالمحافظة، حتى سقط على رؤوسنا نبأ وفاته كالصاعقة، فسالت دموعنا حزنا، وأنزوينا خلف مكاتبنا لندبج كلمات العزاء والمواساة لأنفسنا ولأسرته الكريمة، ونضع أكليلاً من الورود وباقة من المراثي على ضريح الفقيد الذي أسكنته حضرموت في موضع القلب وأنسته وأهلها الطبيين الآلام الغربة وهجرة وطنه السليب فلسطين.
قبلة وداع حارة نطبعها على جبين الراحل الذي عاش بين ظهرانينا كواحد منا وفينا، فكان نعم الأب والصديق والمربي الفاضل والإنسان الملتزم بأداء رسالته حتى الرمق الأخير من حياته.
|