تفاءل كثير من العرب والمسلمين بفوز (أوباما) برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية الذي ينحدر من أب كيني مسلم وأم أمريكية ، معتقدين بأن هذا الرئيس الأسود سيعمل على تغيير سياسة بلاده تجاه العرب والمسلمين على عكس تلك السياسة التي سار عليها سلفه الجمهوري (بوش الابن) التي اتسمت بالعداء الواضح والصريح والانحياز الكامل والمطلق إلى الكيان الصهيوني ، حيث اعتمد هؤلاء المتفائلون على إمكانية هذا التغيير على ما سمعوه من خطابات معسولة أهمها ما جاء في خطابه في القاهرة وفي تركيا، وعلى وعوده الانتخابية التي طارت كلها في الهواء مجرد وصول هذا الرجل إلى كرسي الحكم متناسين أن من يحكم الولايات المتحدة الأمريكية ليسوا أشخاصاً بعينهم ، وإنما الحاكم الفعلي لهذه الإمبراطورية هي المجمعات الاحتكارية الصناعية التي تحدد سياسة هذه الدولة العظمى الخارجية والداخلية بما يتناسب ومصالحها .
صحيح أن مجيء هذا الرجل إلى الحكم في هذه الظروف منذ استقلال أمريكا عام 1776م حيث انتخب أول رئيس لها عام 1789م جورج واشنطن الذي قاد كفاح الأمريكيين ضد الاستعمار البريطاني ، هذا الكفاح الذي تُوّج بالاستقلال يعد تحولاً تاريخياً في حياة الأمريكيين الذين يطمحون إلى التغيير بعد أن أدخل الرئيس بوش الابن البلاد في أزمات اقتصادية وحروب طاحنة أفقدت بلاده مكانتها الدولية وسمعتها كدولة عظمى واستعدت عليها شعوب العالم ولاسيما العالمين العربي والإسلامي اللذين ذاقا الأمرّين من هذه السياسة العدوانية ، حيث وقعت في أراضيهما حروب دموية طاحنة راح ضحيتها الملايين من البشر خاضتها أمريكا بشكل مباشر أو غير مباشر كغزو أفغانستان والعراق والدعم اللا محدود الذي تقدمه الإدارات الأمريكية المتعاقبة للعدو الصهيوني في عدوانه المستمر على الشعب الفلسطيني وعلى العرب وجهودها المستمرة لإفشال أي جهود دولية لإدانة هذا العدو وجرائمه ، وآخرها جهود هذه الإدارة ومواقفها المذلة والمهينة لإجهاض ما جاء في تقرير المحقق الدولي ريتشارد غولد ستون بشأن جرائم الحرب التي ارتكبها الصهاينة في حربهم العام الماضي على غزة .. وليس هذا فقط ، بل الموقف الأمريكي المتواطئ بشأن بناء المستوطنات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، هذا الموقف الذي يتناقض مع ما جاء في خطاب أوباما، أضف إلى ذلك تراجع الإدارة الأمريكية الحالية عن وعودها بسحب القوات الأمريكية من العراق، بالإضافة إلى إرسال قوات إضافية إلى أفغانستان للمشاركة في الحرب الأمريكية ضد ما يسمى بالحرب على الإرهاب .. كلها دلائل تؤكد للقاصي والداني تراجع أوباما عن وعوده الانتخابية التي قطعها على نفسه مما أدى إلى انخفاض شعبيته في أوساط الناخب الأمريكي ، كما إننا لا ننسى ما يقوم به اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية من تأثيرات على السياسة الأمريكية ولاسيما تلك التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي لما يمتلكه هذا اللوبي من نفوذ قوي على السلطات التشريعية والتنفيذية في هذه البلاد، وأن رهان العرب على التحول في السياسة الأمريكية في عهد هذا الرئيس تجاه إسرائيل من داعمٍ لهذا الكيان إلى مساند لقضايا العرب والمسلمين أو محايد هو شيء من المحال واللا معقول فتاريخ الصراع مع هذا الكيان منذ قيامه يؤكد العكس ..
لذا لابد للعرب والمسلمين أن يُعيدوا النظر في تحالفاتهم وعلاقاتهم مع هذه الدولة والبحث عن حلفاء وأصدقاء آخرين على أساس المصالح المشتركة وفي العالم الكثير من هؤلاء ، حيث يمتلك العرب والمسلمون وسائل كثيرة تمكنهم من بناء هذه العلاقات والصداقات مع دول وشعوب العالم مستخدمين ما يملكون من إمكانيات مادية هائلة وثروات نفطية تزخر بها بلادهم مثل بعض بلدان الاتحاد الأوروبي التي لا ترتاح للسياسة الأمريكية والصهيونية وكذلك الصين وروسيا وتركيا وغيرها من بلدان العالم ، ولكن المشكلة الكبيرة هي في أنظمة الحكم العربية ومن يتربع على عروشها من الحكام الذين يأتمرون بالأوامر الأمريكية ويُسيَّرون بالريموت كنترول ولا يثقون إلا في أمريكا على الرغم من الصفعات التي توجهها الإدارات الأمريكية في البيت الأبيض ضد العرب وقضاياهم ومحاباة الكيان الصهيوني المرة تلو الأخرى .
إضافة تعليق
عدد التعليقات : 5
كافة الحقوق محفوظة © المكلا اليوم 2007-2010 تصميم و تطوير فريق الدعم الفني - المكلا اليوم