حياكة الحكاية
المكلا اليوم / الدكتور عبدالله سعيد الجعيدي4/9/2009
وتحاكا في قصة السفر وسفر الطريق" تلك آخر عبارة تضمنها مقالي في سلسلة حكايات مهجرية بعنوان:( خالي في طريقه إلى خاله) كانت العبارة أو الحكاية مدخلاً لهجوم مباغت من الدكتور عبده بن بدر عندما وجه كلماته مهدداً ومبيناً خطورة الاعتماد علي الحكاية في الكتابة التاريخية والاجتماعية
وكان لابد من الدفاع والتوضيح وقلت مما قلت: إن قصة الهجرة الحضرمية ضاربة بجذورها في التاريخ وهي اكبر من أن تحتويها رواية أو روايات, وابعد من أن تلامسها حكاية أو حكايات .
وقد ركز من تصدى بالدراسة لظاهرة الهجرة البشرية بشكل عام إلى البحث عن الأسباب الحقيقة والدوافع والمؤثرات والتأثيرات العامة وأغفل الكثير منهم حكايات المهاجرين الخاصة بكل تفاصيلها وانفعالاتها مثل : نجاحاتهم و إخفاقاتهم, أحلامهم وهمومهم , أناتهم و ابتساماتهم ,غصّاتهم وأفراحهم,آلامهم ومراراتهم , ,مخاوفهم وتوجساتهم الخ وفي ظني أن ذلك مشهد عميق من مشاهد الهجرة يسهم مع الدراسات الأخرى في الاقتراب من فهم هذه الظاهرة المعقدة والمتداخلة . والمصدر التاريخي أو الوثيقة التاريخية لا تعني بالضرورة الحقيقة التاريخية التي غالبا ما تختفي وراء جدار. والمؤرخ الماهر هو فقط من يستطيع أن يحطم تلك الجدار ويصل إلى مبتغاه, ويستطيع أيضا استدراج الحكاية وينتشل من خلف أستارها ومن داخل مفاتنها ما يشفي شيئاً من غليله أو يروي بعضاً من ظمأه .
وفي غياب النادل و(زوغانه) المتعمد في تلبية الطلبات حضرت الحكاية الشعبية في مقهانا الشعبية , وتذوق الحاضرون حلاوتها وانتشوا من حكمتها وعبرتها وحيكة الحكايات وتعدد الرواة وهت يا حكايات .
قال الراوي : يحكى أن أسداً وذئباً وثعلباً اتفقوا على الصيد المشترك, كان لكل منهما وجهة نظره في هذا التحالف . قال الأسد في صدره :لا بأس من استغلال دهاء الثعلب وخسة الذئب, وقال الذئب: سأضيف إلى موهبتي قوة الأسد ومكر الثعلب وقال الثعلب: كم هو شرفٌ أن أكون بصحبة الملك...كانت حصيلة الصيد معقولة (زرافة وغزالة وأرنب) ونادى الأسد بان ساعة القسمة قد حانت وطلب من الثعلب ذلك فاعتذر بأنه لا يستطيع أن يفعل ذلك في حضرة الملك وكبر سن الذئب وحجمه, وأحيل الطلب إلى الذئب الذي شرع في التقسيم : الزرافة لك أيها الملك العظيم والغزالة لي والأرنب للثعلب, لم ترق القسمة للأسد بل صفع الذئب حتى اقتلع إحدى عينيه. وأعاد الملك الطلب للثعلب, وكانت قسمته حسب الأتي : الزرافة هي غذاء للملك والغزالة عشاؤه, والأرنب فطوره , فاستحسن الأسد القسمة وسأل مستفسرا أيها الثعلب: من علمك الحكمة في القسمة؟؟ فقال الثعلب بخبث : عين الذئب!.
ونهض راوٍ آخر: في مدينة اشتهر حاكمها بالظلم والجبروت وفي ساعة من ساعات غضبه وطيشه اصدر قراراً عاجلا بطرد الكلاب من المدينة وتضمن القرار مهلة أربع ساعات, وعقاب بالإعدام لمن عليه الوقت فات. فتقاطر الكلاب أمام بوابات المدينة حاملين ماخف وزنه وزادت قيمته وفي زحمة الذعر والهلع كان هناك فيل يزاحم من أجل الهروب فاستغرب الجميع من ذلك الفعل , ورغم أن الكلاب كانوا مثل السكارى وما هم بسكارى فقد سأله أحدهم لماذا تزاحمنا الخروج فقرار الحاكم لا يشملك من قريب أو بعيد فقال الفيل أنت تعرف هذا وأنا أعرف, ولكن من يؤكد لي أن حاكم المدينة يعرف هذا وتذكر ثالث حكاية رمزية أخرى كانت تدرس لتلاميذ الصف الرابع أو الخامس الابتدائي والتي تعزز التربية إلى أهمية الحرية في الحياة والغريب أن الحكاية موجودة في مناهج التربية والتعليم في حكومة جنوب اليمن، سابقاً، وهو نظام يوصف بأنه على غير وفاق مع حرية التعبير وعلى العموم في حقبة الحرب الباردة تغنى الجميع بالحرية والديمقراطية الشرقية والغربية وادعوا صلة القرابة بينهم وبينهما وهما بريئتان منهما.... وغنى كل على ليلاه..! وبعد أن أدرك صاحبنا أنه خرج عن الموضوع عاد وقال : الحكاية أو القصة التي سأسردها جاءت بشكل حوار سريع بين كلبين صديقين أحدهما يعمل حارساً في بيت والآخر مشرداً وتصف الحكاية اختلاف العافية بين الجانبين والراحة الشكلية التي تبدو لصالح الكلب الحارس الذي يبدأ حديثه المشفق والساخر من صديقة بأنه يهيم في الأرض وراء الفتات ويتعرض للاهانات بينما هو يأتيه طعامه النظيف إلى مكان عمله غير المضني. ويرد الكلب الشريد مبيناً أفضلية وضعه عن زميله بقيمة لا يدركها الكلب السمين شبه الأسير وهي مقدرته على الانطلاق والحرية أنَّى شاء وتنهي الحكاية عند هذا الحوار الفاتح للتأمل .
وتدخل أصحاب اللغة عندما وجدوا اختلاط الحابل بالنابل وقالوا : إن الحكاية سرد فصصي يروي تفصيلات حدث واقعي أو متخيل وهو ينطبق عادة على القصص البسيطة ذات الحبكة المتراخية الترابط مثل حكايات ألف ليلة وليلة. والحكاية في اللغة هي ما يحكى ويقص وهي مصدر مشتق من حكى يحكي حكاية والحكي هو الكلام. والحكايات عبر تاريخها الطويل تنتقل من بلد إلى بلد فتمتلك من مكان مزايا جديدة وإضافات مختلفة تطبعها بطابع ذلك المكان .
وقالوا: إن الحكاية الشعبية نتاج فكري جميل تعكس تجارب الشعوب وتنتقل شفاهة من جيل إلى جيل. هدفها أخلاقي مثل تأصيل القيم والعادات الاجتماعية وإيجاد الحلول المستعصية أو فتح آفاق للخروج من المشاكل والأزمات, ولا تختلف الحكاية الرمزية عن الحكاية الشعبية في الوظيفة الأخلاقية, وما يميز الحكاية الرمزية إن أبطالها في اغلب الأحيان من الحيوانات أو الجماد .
|