الموقع قيد الصيانة والتحديث
التفاصيل الرئيسية
غزة .. وفاعلية الاستعارة المكلا اليوم / كتب: الدكتور سعيد الجريري1/1/2009
saeed.jpg

كم غزةً بنا منذ نكبة 1948 مروراً بكفر قاسم ودير ياسين وصبرا وشاتيلا وجنين وقانا ، حتى غزة ديسمبرَ 2008؟, تتداعى على الذاكرة صور المشهد الطويل ، ضاغطة على عصب المتخيل في لا معقوليته التي تُعلي الفلسطيني صانعاً لملحمة متجددة الفصول

منذ ستين عاماً ظل ينحت فيها بأظافر الهوية الفولاذية ضداً على التهويد ومرادفاته السياسية والثقافية ، من دون أن ينقطع نفَسُه الوطني وخياراته المبدئية في الوجود
ولعل مقاربة المشهد من زوايا نظر مختلفة تكشف لنا مضمرات من ملامح الصورة الراهنة المتمددة من البحر إلى البحر ، وهي صورة بقدر ما تنكأ جراحاً مفتوحة، فإنها تؤشر اتجاهات ومسارات وخيارات ينبغي تأملها بوعي وموضوعية، بعيداً عن لغة الانفعال الإيجابي والسلبي في آن معاً
يلح جورج لايكوف ومارك جونسن في كتابهما ( الاستعارات التي نحيا بها ) على أن جزءاً هاماً من التجارب والسلوكات والانفعالات البشرية استعاريٌّ من حيث طبيعتُهُ ، يُبَنْيِنُ النسق التصوري الذي نحيا به ، والرؤية التي تتجاوز حدود اللعبة اللغوية الشائعة
هذه الفكرة التي بُني عليها ذلك الكتاب تلح عليّ ، ولكن بانزياح حاد ، باتجاه ما يحدث اليوم في غزة من فعل إبادة علنية ، وما يقابلها من ردود أفعال عربية شعبية ورسمية
هل هيمنت النسقية الاستعارية على أفعالنا ، فأدمنّا لعبة الاستبدالات ومجاوراتها ولاسيما السياسية والدينية ؟
وهل استحال الغضب العربي إلى رد فعل آني ، يقتضي مثيراً شرطياً ، وفق نظرية الاستجابة الشرطية البافلوفية ؟
غير غائب عن الفهم أن الكائن المقهور بشتى أنواع القهر المادي والمعنوي ، عادةً ما ينزع إلى التعويض بالقمر عن الرغيف كيما يخرس عفاريت الجوع في بطنه ، لكن مما لا يحضر في الفهم هو كيف تختلط الوجوه في زحام متناقض؟.. أ هي التصورات الاستعارية الضاغطة على أزرار مرئية وغير مرئية في أعماق مظلمة مثلاً؟
لست معنياً بتحليل سياسي أو نفسي لما يحدث ، فثمة محللون مختصون ، وثمة محترقون بجحيم السياسة العربية ونتائجها النفسية يدركون ويشخصون ما يحدث ويؤشرون ما سوف يحدث ، ولكنني أحاول هنا رؤية الحدث / المذبحة من زاوية (الفاعلية) العربية القائمة على نسق استعاري في ما يبدو ، بمعنى إقامتها الاستعارة غير اللغوية بديلاً عن فتح ( المجازات ) غير اللغوية باتجاه الفعل ، في حين يتجاوز الشعراءُ ، ساسةُ الاستعارة اللغوية ، اللغةَ إلى استشراف الآتي برؤية خارج اللغة أو حدود أنساقها ، لكن لغتهم المختلفة لا تقابل إلا بتصفيق استعاري له فعل المخدِّر الذي يحفز نشوة الانتصار بالكلمات ، في حين يظل الشعراء على سَفُّود الألم العالي الذي لا يراه الآخرون الأدنون!. يقول أمل دنقل في ( البكاء بين يدي زرقاء اليمامة )
ماذا تفيد الكلمات البائسة؟
قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبار
فاتهموا عينيك ، يا زرقاءُ ، بالبوار
قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار
فاستضحكوا من وهمك الثرثار
وحين فوجئوا بحدّ السيف ، قايضوا بنا
والتمسوا النجاة والفرار
ونحن جرحى القلبِ
جرحى الروحِ والفم
لم يبقَ إلا الموتُ
والحطامُ              
والدمار                      
ها أنت يازرقاءْ
وحيدة عمياءْ
وما تزال أغنياتُ الحُبّ.. والأضواء
والعربات الفارهاتُ.. والأزياء
فأين أخفي وجهيَ المشوّها
كي لا أعكّر الصفاء الأبلهَ المموَّها
في أعين الرجالِ والنساء ؟
وأنتِ يا زرقاءْ
وحيدةٌ.. عمياءْ
وحيدةٌ .. عمياءْ
هو ، إذاً ، جسر القصيدة من المجاز إلى المجاز ؛ من مجاز اللغة إلى مجاز الرؤية / الواقع ، حيث ينتفي الاستبدال ، ويغادر النسق التصوري استعاريته إلى فاعلية تتفتق رؤى ، ومواقفَ، وأوطاناً لا تبكي وتستبكي في مشهد يتكرر على نحو مفارق

إضافة تعليق

عدد التعليقات : 1

 
د. خالد () Jan 1 1900 12:00AM استعاراتك دائما جميلة يادكتور سعيد فقد اعجبني موضوعك المنشور منذ فترة تحت عنوان (قده فيش يابنتي) واليوم اعجبتني استعارتك (كم غزه بنا)
الاسم: البلد: التعليق:

كافة الحقوق محفوظة © المكلا اليوم 2007-2010
تصميم و تطوير فريق الدعم الفني - المكلا اليوم